الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

353

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ومنها : أنه لو أدركه الأنبياء لوجب عليهم اتباعه ، كما سيأتي تقريره - إن شاء اللّه تعالى - . ومنها : أنه أرسل إلى الجن اتفاقا ، والدليل على ذلك قبل الإجماع : الكتاب والسنة ، قال تعالى : لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً « 1 » ، وقد أجمع المفسرون على دخول الجن في هذه الآية ، وهو مدلول لفظها ، فلا يخرج عنه إلا بدليل . وإن قيل إن الملائكة خارجون من ذلك فلا يضر ، لأن العام المخصوص حجة عند جمهور العلماء والأصوليين ، ولو بطل الاستدلال بالعمومات المخصوصة لبطل الاستدلال بأكثر الأدلة . وقال تعالى في الأحقاف : أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ « 2 » ، فأمر بعضهم بعضا بإجابته دليل على أنه داع لهم ، وهو معنى بعثته إليهم ، إلى غير ذلك من الآيات . وأما السنة ، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « فضلت على الأنبياء بست » فذكر منها « وأرسلت إلى الخلق كافة » « 3 » فإنه يشمل الإنس والجن ، وحمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل فلا يجوز . والكلام فيه كالكلام في آية الفرقان [ 1 ] . فإن قلت : إن قوله : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً « 4 » وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ « 5 » ظاهر في اختصاص رسالته - صلى اللّه عليه وسلم - بالإنس ، واحتمال غير ذلك عدول عن الظاهر . فالجواب : إن هذا إنما يتمشى على مذهب الدقاق القائل بأن مفهوم اللقب حجة ، و « الناس » من قبيل اللقب ، فإن المسألة المترجمة في الأصول « بمفهوم اللقب » لا تختص باللقب بل الأعلام كلها وأسماء الأجناس كلها كذلك ما لم تكن صفة . و « الناس » اسم جنس غير صفة فلا مفهوم له . فهذه

--> ( 1 ) سورة الفرقان : 1 . ( 2 ) سورة الأحقاف : 31 . ( 3 ) صحيح : والحديث أخرجه مسلم ( 5230 ) في المساجد ، باب : رقم ( 1 ) . ( 4 ) سورة الأعراف : 158 . ( 5 ) سورة سبأ : 28 .